فخر الدين الرازي

186

تفسير الرازي

مكاتباً ما يصرفه إلى جهة فكاك نفسه ، روى البراء بن عازب ، قال : " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، قال : عتق النسمة وفك الرقبة قال : يا رسول الله أو ليسا واحداً ؟ قال : لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة ، أن تعين في ثمنها " وفيه وجه آخر وهو أن يكون المراد أن يفك المرء رقبة نفسه بما يتكلفه من العبادة التي يصير بها إلى الجنة فهي الحرية الكبرى ، ويتخلص بها من النار . المسألة الثالثة : قرىء : ( فك رقبة ) أو إطعام ، والتقدير هي فك رقبة أو إطعام وقرئ : ( فك رقبة أو أطعم ) على الإبدال من اقتحم العقبة ، وقوله : * ( وما أدراك ما العقبة ) * اعتراض ، قال الفراء : وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية لقوله : * ( ثم كان ) * ( البلد : 16 ) لأن فك وأطعم فعل ، وقوله : كان فعل ، وينبغي أن يكون الذي يعطف عليه الفعل فعلاً ، أما لو قيل : ثم إن كان كان ذلك مناسباً لقوله : * ( فك رقبة ) * بالرفع لأنه يكون عطفاً للاسم على الاسم . المسألة الرابعة : عند أبي حنيفة العتق أفضل أنواع الصدقات ، وعند صاحبيه الصدقة أفضل ، والآية أدل على قول أبي حنيفة : لتقدم العتق على الصدقة فيها . قوله تعالى * ( أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : سغب سغباً إذا جاع فهو ساغب وسغبان ، قال صاحب " الكشاف " : المسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب ، يقال : فلان ذو قرابتي وذو مقربتي وترب إذا افتقر ومعناه التصق بالتراب ، وأما أترب فاستغنى ، أي صار ذا مال كالتراب في الكثرة . قال الواحدي : المتربة مصدر من قولهم ترب يترب ترباً ومتربة مثل مسغبة إذا افتقر حتى لصق بالتراب . المسألة الثانية : حاصل القول في تفسير : * ( يوم ذي مسغبة ) * ما قاله الحسن : وهو نائم يوم محروص فيه على الطعام ، قال أبو علي : ومعناه ما يقول النحويون في قولهم : ليل نائم ونهار صائم أي ذو نوم وصوم . واعلم أن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر ، وهو كقوله : * ( وآتى المال على حبه ) * ( البقرة : 177 ) وقال : * ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ) * ( الإنسان : 8 ) وقرأ الحسن : ( ذا مسغبة ) نصبه بإطعام ومعناه أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة . أما قوله تعالى : * ( يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ) * . قال الزجاج : ذا قرابة تقول زيد ذو قرابتي وذو مقربتي ، وزيد قرابتي قبيح لأن القرابة مصدر ، قال مقاتل : يعني يتيماً بينه وبينه قرابة ، فقد اجتمع فيه حقان